الزميلة خديجة سيفي تفارق الحياة إثر أزمة قلبية



كأنها أحست أن الموت سيخطفها في سن مبكرة، تركت الإعلامية المتميزة خديجة سيفي، الإذاعية في "راديو أطلانتيك" ومقدمة "حريتك مئة في المئة"، وصية لأصدقائها وزملائها في مهنة المتاعب. الوصية كانت عبارة عن رسالة معبرة تقدم الكثير من الأجوبة لمن يجد صعوبة في أن يحيا "سلما اجتماعيا" مع نفسه والمحيطين به.

" إيّاك أن تكون "مفعولا به"..كنْ دائما "فاعلا"..مهما أحسست "بالكسرة" اترك في قلبك "فتحة" تدخل منها الأحلام...لا تكره أحداً لمجرّد أنه مختلف معك..اترك مشاعرك "ضمة" لكل الناس...لا ترضى أن تكون "مجرورا" من أحد مهما كان قريباً منك.. فستبقى دائما "مرفوع" الرأس... صحيح يمكنك أن تحنّ للذكريات..لكن لا تستسلم لـ "كان وأخواتها"".

وأضافت الرسالة، التي حملت عنوان "نصيحتي اليكم يا اصدقائي ورثرها عن سبويه"، "ابتسم لك...وانتبه من (أدوات النصب)..اشتغل .. وأحلم ... ولا تسمح أن يكون مستقبلك (مبنيا للمجهول)..لا تخبيء مشاعرك اتجاه أحد..فالمشاعر التي تأتي متأخرة تصبح (ممنوعة من الصرف)..عش دائما (مبتدأ) ولا تكن مجرد (خبر)".

كان هذا جانب ممّا نقلته الراحلة على حائطها بـ"فيس بوك" من نص موجود منذ زمن على الانترنت يُجهل صاحبه أو صاحبته..كلمات جميلة تعبق بحب الحياة وبكبرياء مواطنة رفعت رأسها على الدوام في مهنتها..لم يرضَ الموت أن يجرّها في أرذل العمر، فاقتطفها من جذورها وهي زهرة تسرّ الناظرين. رحلت الصحافية خديجة سيفي يوم الأحد الماضي، في عزّ ممارستها لمهنة أحبتها حتى النخاع في استديوهات إذاعة "أطلانتيك راديو".

خلّفت هذه الوفاة التي أتت على حين غرة، ألماً ممتداً استعمر نفوس الكثير من أصدقاء وزملاء ومستمعي برنامجها "حريتك 100%"، خاصة وأنها توفيت وهي حامل في شهرها السادس، تاركة وراءها ابناً في ربيعه الرابع، وأسرة مكلومة. رحلت سيفي بعد إصابتها بنوبة قلبية ليلة السبت، استدعت نقلها إلى المستشفى، دون أن يساهم ذلك في إنقاذها.
رأت النور لأول مرة سنة 1980، درست بمعهد خاص للإعلام في الدار البيضاء، بدأت مشوارها المهني بجريدة الصباح، وبعدما انتقلت إلى وكالة للاتصال والتواصل في الإنتاج التلفزي، لتلتحق سنة 2006 بإذاعة أطلنتيك ضمن الجيل الأول الذي التحق بالإذاعات الخاصة، في الأيام الأولى للترخيص لها آنذاك. استمرت مع هذه الإذاعة التي أحبتها لأزيد من ثمانِ سنوات، قدمت فيها عدداً من البرامج والأجناس الصحفية، ونوّعت من طرق اشتغالها بعيداً عن "الصحافية القالبية" قبل أن ترحل في أوج تألقها.
كتبت عنها صديقتها حنان بكور، الصحافية بجريدة أخبار اليوم المغربية:" حاولت أن أنقب في كل أركان الذاكرة عن 'زلة' صدرت منها في حق أي كان، فلم أجد!! هي إنسانة طيبة لا تجيد غير الابتسامة بسبب أو بغير سبب، لدرجة أن بعض الأساتذة كانوا يطردونها ويلحقونني بها لهذا السبب!!!
خدومة لدرجة لا توصف، حتى وإن جرّ عليها ذلك متاعب جمة..مرّت الأيام، وشاهدتها عروسا...كنت مسافرة يومها وظلت تلح عليّ من أجل الوقوف إلى جانبها في ليلة العمر، ولم أجد بداً غير ذلك...ثم شاهدتها أما وصحافية ناجحة، وقبل هذا وذلك، شاهدتها صديقة مخلصة..".
كما رثاها أحمد علوة، رئيس التحرير المساعد بإذاعة أطلانتيك:" كان التعب بادياً عليها في الأسابيع الأخيرة ولم يكن في الاعتقاد أن حملها الثاني سينهي حياتها وهي في ريعان شبابها وعطائها..كانت لطيفة مجدة وجدية إلى أبعد حد، جاورت كل أشكال وأنماط العمل الإذاعي وارتبطت كثيرا ببرنامج حريتك، البرنامج اليومي الذي نجحت بلباقتها وحسها الإعلامي العالي في أن تجعله هامشا كبيرا للنقاش والتداول في قضايا كثيرة تهم الناس والمجتمع والسياسة والاقتصاد.
أحبها الجميع دون استثناء وكانت الراحلة بحق نموذجا للعطاء.. رحم الله خديجة سيفي وكان الله في عون أسرتها الصغيرة وكان الله في عوننا حتى نتقبل هذا الرحيل المفاجئ القاسي لزميلة اقتسمت معنا لذة وألم الميكروفون لسنوات ليست بالقليلة".
دُفن جثمان خديجة الأحد الماضي، في جنازة مهيبة بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء بحضور مجموعة من الشخصيات الإعلامية، من بينها الرئيس المدير العام لمجموعة إيكوميديا، عبد المنعم الدلمي.
أتى رحيل سيفي في وقت تكرّرت فيه الأحزان في الجسم الصحفي، وكثُرت فيه اعتداءات الآخرين على رجال ونساء المهنة، ونشبت معارك مجانية بين الزملاء..كما لو أن رحيل خديجة في هذا الوقت الحساس، أراد إرسال كلمة للكثيرين: ارحموا عزيزة قوم ذُلت..ارحموا صاحبة الجلالة، فما عادت تحتمل المزيد من النزيف !


أيوب بونقرا / ياسبريس